أحمد بن يحيى العمري

334

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

الله من سنة الغفلة - : أن المحاسبة في هذه الدار على قدر المحاسب ، فمنهم معاقب ، ومنهم مغالب ، ومنهم معاتب ، ومنهم محاسب . فمحاسبة الإحساس معاقبة ، والأنفاس مغالبة ، والأرواح معاتبة ، والأسرار مخاطبة . فحاسب نفسك - يا أخي ! - في مهل الأنفاس ، قبل حلول الأرماس « 1 » ، ومثّلها كعامل خراج بين يديك من قبل أن ينعكس الأمر عليك ، فكأني بك في ذلك اليوم تدعو فلا تسمع مجيبا إلا : كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً . « 2 » ومنه قوله : " أما بعد - يا أخي ! - عصمنا الله وإياك من نتائج الغفلات ، وآمنا من روعة البيات ، فإن الله - سبحانه - لما أوضح المنهج إليه ، وبيّن الأمر المزلف لديه ، حمل من اصطفاه من عباده عليه ، وعدل بمن حرمه إلى أحد جانبيه ، فهنيئا لمن حمل على الجادة ، وبؤسا لعبد قطعت عنه العناية الربانية والمادة . ونحن - يا أخي ! - من هذا كله على بصيرة ، مع قبح سيرة وسريرة ، فتدارك أخاك بدعوة ترقيه إلى موقف الاختصاص ، وتلحقه بأهل الصدق والإخلاص ، قبل أن يفجأه الموت ، وينقلب بحسرة الفوت ؛ فقد طال الأمل ، وساء العمل ، وترادف الكسل ، ولم تعظنا بمرورها الأيام ، ولا زجرتنا حوادث العلل والآلام ، فأسأله سبحانه أن يطهّر الذوات بأحمد الصفات ، والسلام " . ومنه قوله : " أما بعد - يا أخي ! - فالقدر سابق ، والقضاء لاحق ، ولا يغرّنّك ما أنت عليه من سنيّ الأعمال ، وزكيّ الأحوال ، ما دام رسنك « 3 » مرخى ، وحبلك على غاربك « 4 » ملقى ، فإن الخاتمة أمامك ، ولا تدري بما يرسل الحق إليك أيامك ، فخذ الكرامة على أدب ، وأعرض عن الاشتغال بها وجدّ في الطلب ، فكم مريد كانت حظ عمله لما كانت غاية أمله ، ومن الله نسأل عصمة الأحوال ، في السابقة والمآل ، والسلام " .

--> ( 1 ) جمع " رمس " وهو القبر " القاموس مادة رمس " . ( 2 ) سورة الإسراء - الآية 14 . ( 3 ) الرّسن : بفتح الراء والسين بعدها نون : الحبل ، وما كان من زمام يقاد به البعير . " القاموس مادة رسن " . ( 4 ) الغارب : الكاهل ، أو ما بين السنام والعنق ، جمعه غوارب ، وقولهم : حبلك على غربك : أي اذهب حيث شئت " القاموس مادة غرب " .